الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
302
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
إرشاد الرسول صلى اللّه عليه وسلّم . والذكر : القرآن . وقد سمي بالذكر في آيات كثيرة لأنه يتضمن تذكير الناس بما هم في غفلة عنه من دلائل التوحيد وما يتفرع عنها من حسن السلوك ، ثم تذكيرهم بما تضمنه من التكاليف وبيناه عند قوله تعالى : وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ في سورة الحجر [ 6 ] . وإنزال القرآن تبليغه إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلّم بواسطة الملك واستعير له الإنزال لأن الذكر مشبه بالشيء المرفوع في السماوات ، كما تقدم في سورة الحجر وفي آيات كثيرة . وجعل إنزال الذكر إلى المؤمنين لأنهم الذين انتفعوا به وعملوا بما فيه فخصصوا هنا من بين جميع الأمم لأن القرآن أنزل إلى الناس كلهم . وقوله : رَسُولًا بدل من ذِكْراً بدل اشتمال لأن بين القرآن والرسول محمد صلى اللّه عليه وسلّم ملازمة وملابسة فإن الرسالة تحققت له عند نزول القرآن عليه ، فقد أعمل فعل أَنْزَلَ في رَسُولًا تبعا لإعماله في المبدل منه باعتبار هذه المقارنة واشتمال مفهوم أحد الاسمين على مفهوم الآخر . وهذا كما أبدل رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ [ البينة : 2 ] من قوله : حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ في سورة البينة [ 1 ] . والرسول : هو محمد صلى اللّه عليه وسلّم . وأما تفسير الذكر بجبريل ، وهو مروي عن الكلبي لتصحيح إبدال رَسُولًا منه ففيه تكلفات لا داعي إليها فإنه لا محيص عن اعتبار بدل الاشتمال ، ولا يستقيم وصف جبريل بأنه يتلو على الناس الآيات فإن معنى التلاوة بعيد من ذلك ، وكذلك تفسير الذكر بجبريل . ويجوز أن يكون رَسُولًا مفعولا لفعل محذوف يدل عليه أَنْزَلَ اللَّهُ وتقديره : وأرسل إليكم رسولا ، ويكون حذفه إيجازا إلا أن الوجه السابق أبلغ وأوجز . وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم مُبَيِّناتٍ بفتح الياء . وقرأه الباقون بكسرها ومآل القراءتين واحد . وجعلت علة إنزال الذكر إخراج المؤمنين الصالحين من الظلمات إلى النور وإن كانت علة إنزاله إخراج جميع الناس من ظلمات الكفر وفساد الأعمال إلى نور الإيمان والأعمال الصالحات ، نظرا لخصوص الفريق الذي انتفع بهذا الذكر اهتماما بشأنهم . وليس ذلك بدالّ على أن العلة مقصورة على هذا الفريق ولكنه مجرد تخصيص بالذكر . وقد تقدم نظير هذه الجملة في مواضع كثيرة منها أول سورة الأعراف .